روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

36

عرائس البيان في حقائق القرآن

والحدثان بأسرها ليست بذخيرة غير منقطعة ؛ فإنها ليست بقائمة بنفسها إنما قيامها باللّه ، وهو تعالى بذاته وصفاته مستند العارفين إذ عزته وجلاله قديم باق لا يزول فإذا التوكل عليه حقيقة لمن عرفه بهذه الصفة ؛ فقطع سر حبيبه عن الخلق جميعا في أمر العبودية والربوبية والبلاء والعافية ، والعيش في الدنيا والآخرة . ثم أمره بتنزيهه وتقديسه حمدا لكفايته ورعايته بقوله : وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ أولا ينقطع وجود أبد الآبدين ، وبيّن أن أكثر خلقه محجوبون عن هذه الحقيقة ، والمحجوبون عنها وقعوا في الأسباب ، وهو في حقيقة التوكل ذنب الطريقة فخوفهم بها ، وقال اللّه تعالى : وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً . قال بعضهم : التوكل استيلاء الوجد على الإشارة ، وجذب التشرف إلى الإرفاق حتى يبتدئ . قال الواسطي : من توكل على اللّه لعلة غير اللّه ، فلم يتوكل على اللّه ، ولما أمر سبحانه حبيبه بالتوكل على نعت الحقيقة ، وأخبر فيه عن صفته الخاصة في نفسه من الحياة الأزلية الأبدية ، وعن ذاته السرمدي زاد الخبر في إعلامنا قدرته وبقاءه واشتمال قوته على جميع الحوادث وإنشائها بقوله : الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ بيّن أن الكون قائم به ، وذكر رحمانيته من حيث إنه رحم الخلق بإيجادهم ثم أمر حبيبه أن يسأل في حقيقة هذا الأمر عن جلال عزته ، وبقاء ديموميته والمعرفة بذاته ، وصفاته عن خبراء عرفانه ، وبصراء العلم بجبروته وملكوته بقوله : فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً وهم الذين عرف اللّه نفسه لأرواحهم في الأول بالأولية والآخرية والقدرة والمشيئة وكمال الرحمة ، وهم باقون في الأشباح بنعت الأرواح في عبوديته وعرفان ربوبيته وفي كل لمحة يزيد معرفته بجلاله وقدره . وقال الحسين : هم الذين أقامهم اللّه في البلاد أذلة للعباد منهم من يدل على سبيل الحق ، ومنهم من يدل على آداب سبيل الحق ، ومنهم من يدل على شرائع الإيمان ، ومنهم من يدل على الحق ، فهو الدليل على الحق ؛ لأن الكل محتاجون إليه وهو مستغن عنهم ، يرجعون إليه في السؤال ، ولا يسأل هو أحدا كالخضر ونظرائه ؛ لأنهم أوتوا العلم اللدني . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 61 إلى 77 ] تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً ( 61 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً ( 62 ) وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ( 63 ) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً ( 64 ) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً ( 65 ) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ( 66 ) وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ( 67 ) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً ( 68 ) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً ( 69 ) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 70 ) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً ( 71 ) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ( 72 ) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً ( 73 ) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً ( 74 ) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً ( 75 ) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ( 76 ) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً ( 77 )